الشيخ حسن الجواهري
74
دعوة إلى الإصلاح الديني والثقافي
لأمير المؤمنين عليه السلام : يا ضربةً من تقي ما أراد بها * إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوماً فأحسبه * أوفى البرية عند اللَّه ميزانا » « 1 » أقول : لم يجرأ البخاري على الرواية عن الجانب الآخر الذي كان بعيداً عن السلطة وفيه ثقل العلم والهدى والفضيلة بالاتفاق والإجماع ، حيث إنَّ الكلمات التي قيلت في أئمة الهدى مجمعة على أنَّهم أعلم أهل زمانهم ، ويكفيك أنَّ الإمام الصادق عليه السلام هو أستاذ لأكثر أئمة الحديث ، وقد قال عنه الإمام أبو حنيفة عندما تتلمذ عليه سنتين : « لولا السنتان لهلك النعمان » « 2 » ومن هنا يكون كتاب البخاري يمثل خط السلطة فقط مع عدم الاهتمام بالخط الذي يخالفها ، فعلى هذا لابدَّ للمحقق في الروايات لمعرفة سُنَّة الرسول صلى الله عليه وآله والعمل بها من البحث في روايات الطائفتين ويخضعها لمقياس القبول في الرواية .
--> ( 1 ) الفصول المهمة : 168 - 169 والمحلى لابن حزم : 10 / 484 والجوهر النقي لابن التركماني بذيل سنن البيهقي : 8 / 58 - 59 . ( 2 ) ومما قاله محمد أبو زهرة في كتاب الإمام الصادق ص 66 : ما أجمع علماء أهل الإسلام على اختلافطوائفهم كما أجمعوا على فضل الإمام الصادق وعلمه ، فأئمة السُنَّة الذين عاصروه تلقوا عنه وأخذوا ، أخذ عنه مالك رضي اللَّه عنه ، وأخذ عنه طبقة مالك : كسفيان بن عيينة وسفيان الثوري ، وغيرهم كثير ، وأخذ عنه أبو حنيفة مع تقاربهما في السن واعتبره أعلم الناس لأنّه أعلم الناس باختلاف الناس . . . الخ . وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 1 ص 6 : أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة ، وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة ، وأما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة ، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد عليه السلام . وقال السيد أمير عليّ في كتابه مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي ص 179 : ولا مشاحّة أنَّ انتشار العلم في ذلك الحين قد ساعد على فك الفكر من عقاله ، فأصبحت المناقشات الفلسفية عامة في كل حاضرة من حواضر العالم الإسلامي ، ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الذي تزعم تلك الحركة هو حفيد عليّ بن أبي طالب ، المسمى بالإمام « جعفر » والملقب ب « الصادق » وهو رجل رحب أفق التفكير ، بعيد غوار العقل ، ملمّ كل الإلمام بعلوم عصره ، ويعتبر في الواقع أنه أول من أسس المدارس الفلسفية في الإسلام ، ولم يكن يحضر حلقته العلمية أولئك الذين أصبحوا مؤسسين للمذاهب الفقهية فحسب ، بل كان يحضرها طلّاب الفلسفة والمتفلسفون من الأنحاء القاصية .